شهدت إريتريا في الآونة الأخيرة تغيرات ملموسة على الصعيد الاقتصادي، وسط بيئة جيوسياسية معقدة وتحديات داخلية تتعلق بالبنية التحتية، العلاقات الدولية، والإصلاحات الهيكلية. فبعد عقود من العزلة الاقتصادية، بدأت الدولة تتخذ خطوات نحو تحسين مناخ الأعمال، جذب الاستثمارات، وتعزيز القطاعات الإنتاجية كالتعدين والزراعة والخدمات اللوجستية. في هذا المقال، نستعرض بعمق العوامل المؤثرة في هذا التحول، والمجالات الواعدة للنمو، بالإضافة إلى التحديات التي ما زالت تعرقل المسار.
الإصلاحات الاقتصادية والتوجهات الجديدة للحكومة
بدأت الحكومة الإريترية في السنوات الأخيرة تتبنى سياسات أكثر انفتاحًا تجاه الاقتصاد، مركّزة على تقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية والاتجاه نحو التنمية الذاتية المستدامة. تم إدخال تحسينات في الإطار القانوني للاستثمار الأجنبي، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية للمستثمرين، مما ساعد على رفع جاذبية الدولة كرؤية اقتصادية مستقبلية.
تشمل هذه التغيرات التوسع في الشراكات مع بلدان الخليج وإثيوبيا، وكذلك اتفاقيات مع شركات تعدين دولية لاستغلال الثروات المعدنية مثل الذهب والزنك والنحاس. كما يشهد القطاع الزراعي محاولات تحديث عبر تقنيات الري الحديث والدعم اللوجستي.
قطاع التعدين كمحرّك رئيسي للنمو
يُعدّ قطاع التعدين من أبرز مصادر النمو المحتملة في إريتريا، إذ تحتوي البلاد على كميات ضخمة من المعادن الثمينة. شركة “Nevsun Resources” الكندية سابقًا (تم الاستحواذ عليها) كانت تدير منجم بيشا، أحد أهم مشاريع التعدين في البلاد. يساهم هذا القطاع بما يقارب نصف إيرادات التصدير في السنوات الأخيرة.
المعادن مثل الذهب، النحاس، الزنك والفضة تُعدّ ذخيرة اقتصادية، وقد جذبت شركات من الصين، أستراليا وكندا، رغم المخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان والشفافية في العقود. تعوّل الحكومة كثيرًا على تطوير هذا القطاع لخلق وظائف وتمويل البنية التحتية.
التحديات البنيوية والتنموية
رغم التحسن النسبي، تواجه إريتريا تحديات حقيقية في البنية التحتية، من شبكات طرق، كهرباء، اتصالات ومياه. كما أن العقوبات الدولية السابقة وعوامل العزلة السياسية أثرت على تدفق الاستثمارات. ضعف النظام المصرفي، والافتقار إلى سوق عمل حديث، يزيد من صعوبة التنمية.
الموارد البشرية تمثل كذلك تحديًا، حيث يغادر الكثير من الشباب البلاد بسبب سياسات الخدمة الوطنية الإلزامية التي قد تمتد لسنوات طويلة، مما يؤثر على سوق العمل ويدفع الكفاءات إلى الخارج.
التجارة والتكامل الإقليمي
التحسن في العلاقات مع إثيوبيا المجاورة منذ اتفاق السلام عام 2018 فتح آفاقًا اقتصادية جديدة. التعاون الحدودي، الموانئ المشتركة (خصوصًا مصوع وعصب)، وتفعيل التبادل التجاري، كلها عوامل تعزز من قدرة إريتريا على الاندماج إقليميًا.
إريتريا عضو في “الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية” IGAD، مما يمنحها فرصة لتوسيع شبكة علاقاتها التجارية والانخراط في مشاريع إقليمية للبنية التحتية والطاقة.
دور المغتربين والتحويلات المالية
تلعب الجالية الإريترية في الخارج دورًا كبيرًا في دعم الاقتصاد المحلي عبر التحويلات المالية، والتي تشكّل مصدرًا مهمًا للعملات الأجنبية. تستخدم الدولة نظامًا صارمًا لجمع هذه التحويلات، مما يساعدها على تمويل المشاريع الاجتماعية والخدمية.
لكن في المقابل، توجد انتقادات بشأن كيفية إدارة هذه التحويلات، وغياب الشفافية بشأن مصير الأموال، خاصة في ظل غياب المؤسسات المالية المستقلة.
فرص النمو المستقبلية والخطوات المطلوبة
من أجل تأمين نمو اقتصادي مستدام، تحتاج إريتريا إلى تنفيذ إصلاحات أكثر جرأة، تركز على تحسين التعليم، تحرير الاقتصاد، وخلق بيئة أعمال قائمة على الشفافية. الاستثمار في الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية، يمثل فرصة هائلة بالنظر إلى موقع البلاد الجغرافي.
إدماج الشباب في سوق العمل، وتحفيز رواد الأعمال، سيدفع نحو اقتصاد أكثر ديناميكية. كما أن تحسين صورة البلاد دوليًا قد يسهم في جذب استثمارات نوعية تعزز من القدرات الإنتاجية والتصديرية.
الوسوم
إريتريا، الاقتصاد الإريتري، التعدين في إريتريا، علاقات إثيوبيا إريتريا، التنمية في شرق إفريقيا، ال
*Capturing unauthorized images is prohibited*